السيد محمد حسين فضل الله
16
من وحي القرآن
الأرض ، وكيف ينظرون إلى المؤمنين ؟ إن هذه الآيات تجيب عن ذلك ، وتقول : إن الملائكة الذين يحملون العرش ومن حوله ، لا يكتفون بالتسبيح بحمد اللَّه ، وبالإيمان به ، بل يستغفرون للمؤمنين الذين يشاركونهم روحية الإيمان باللَّه ، ممن عاشوا الإيمان واندمجوا فيه وتابوا بعد أن أخطئوا ، في كلمات خاشعة مبتهلة منفتحة على رحمة اللَّه لكل المؤمنين التائبين . وهو أمر يوحي إلينا باللقاء الروحي الذي يتحول فيه الملائكة إلى كائنات عاطفية تبتهل إلى اللَّه من أجل الإنسان التائب المؤمن ، وهو ما يجعلنا نتطلع إلى السماء ومخلوقاتها الملائكية لنشعر بإطلالة السماء في ملائكتها على الأرض في إنسانها . . في انطلاقة الإيمان . الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ هؤلاء الذين يمثلون النموذج الأعلى من الملائكة في حملهم للعرش ، وهو الموقع الأعلى في السماوات ، لما توحي به كلمة العرش في معناها الكنائي في السلطة العليا في الكون التي هي المظهر الحيّ لسلطان اللَّه . . ولكن ما هي حقيقة العرش ؟ وكيف هو حمل الملائكة له ؟ وما هي مهمتهم في ذلك ، ومن هم هؤلاء الذين حوله ؟ كلها علامات استفهام تطل على عالم الغيب بحيرة ، قد تبقى ممتدة مع تطلّعات المعرفة من دون أن تحصل على جواب ، لأن اللَّه لم يعرّفنا تفصيل ذلك ، فلنترك علم ذلك إليه ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ في ما يعبر عن الشعور بالعظمة بالحمد الذي يختزن في داخله معنى العظمة ومضمونها من خلال الصفات التي توحي بالحمد كله ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ في وعيهم الخاشع لكل مواقع العظمة في ربوبيته ، وفي انفتاحهم على الكون كله الذي يمثل سرّ الإبداع في حكمته وقدرته . .